ابن كثير

24

البداية والنهاية

الوحي لا مطلقا ( 1 ) ، ذاك قوله : ( اقرأ باسم ربك الذي خلق ) وقد ثبت عن جابر أن أول ما نزل ( يا أيها المدثر ) واللائق حمل كلامه ما أمكن على ما قلناه فإن في سياق كلامه ما يدل على تقدم مجئ الملك الذي عرفه ثانيا بما عرفه به أولا إليه . ثم قوله : يحدث عن فترة الوحي دليل على تقدم الوحي على هذا الايحاء والله أعلم . وقد ثبت في الصحيحين من حديث علي بن المبارك وعند مسلم والأوزاعي كلاهما عن يحيى بن أبي كثير قال سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن أي القرآن أنزل قبل ؟ فقال : ( يا أيها المدثر ) فقلت ( واقرأ باسم ربك ) فقال سألت جابر بن عبد الله أي القرآن أنزل قبل فقال ( يا أيها المدثر ) فقلت ( واقرأ باسم ربك ) فقال [ أحدثكم ما حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إني جاورت بحراء شهرا فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت الوادي فنوديت ، فنظرت بين يدي وخلفي وعن يميني وعن شمالي ، فلم أر شيئا ثم نظرت إلى السماء فإذا هو على العرش في الهواء فأخذتني رعدة - أو قال وحشة - فأتيت خديجة فأمرتهم فدثروني فأنزل الله : ( يا أيها المدثر ) حتى بلغ ( وثيابك فطهر ) ( 2 ) - وقال في رواية - فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض فجثيت منه " وهذا صريح في تقدم إتيانه إليه وإنزاله الوحي من الله عليه كما ذكرناه والله أعلم . ومنهم زعم أن أول ما نزل بعد فترة الوحي سورة : ( والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى ) إلى آخرها . قاله محمد بن إسحاق . وقال بعض القراء : ولهذا كبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في أولها فرحا وهو قول بعيد يرده ما تقدم من رواية صاحبي الصحيح من أن أول القرآن نزولا بعد فترة الوحي : ( يا أيها المدثر قم فأنذر ) ولكن نزلت سورة والضحى بعد فترة أخرى كانت ليالي يسيرة كما ثبت في الصحيحين ( 3 ) وغيرهما من حديث الأسود بن قيس عن جندب بن عبد الله البجلي ، قال : اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقم ليلة أو ليلتين أو ثلاثا فقالت امرأة ما أرى شيطانك إلا تركك فأنزل الله : ( والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى ) وبهذا الامر حصل الارسال إلى الناس وبالأول حصلت النبوة . وقد قال بعضهم كانت مدة الفترة قريبا من سنتين أو سنتين ونصفا ، والظاهر والله أعلم أنها المدة التي اقترن معه ميكائيل كما قال الشعبي وغيره ، ولا ينفي هذا تقدم إيحاء جبريل إليه أولا : ( اقرأ باسم ربك الذي خلق ) ثم اقترن به جبريل بعد نزول : ( يا أيها المدثر قم فأنذر

--> ( 1 ) أي أن أول ما نزل مطلقا هو اقرأ . ( 2 ) أخرجه مسلم في صحيحه 1 كتاب الايمان حديث 257 / 1 / 144 . وفيه : أخذتني رجفة شديدة : قال القاضي : ورواه ، السمرقندي وجفة ، والمعنى الاضطراب . وأخرجه البخاري في 65 كتاب التفسير ( 74 ) باب حديث 4922 وأعاده في تفسير سورة العلق عن سعيد بن مروان في قصة فتور الوحي . وفي كتاب بدء الخلق . ورواه الطبري في تاريخه 2 / 8 20 دار القاموس الحديث . ( 3 ) أخرجه البخاري في أبواب التهجد الحديث 1125 فتح الباري 3 / 8 وفي 65 كتاب التفسير الحديث 4950 فتح الباري 8 / 710 وأخرجه مسلم في الصحيح 1 / 143 .